الثلاثاء، 14 يونيو 2016

أيام من نور





الإنسان جسد وروح ... وكيان طيني ووجود أثيري
وفي الحياة الدنيا تسكن الروح الجسد فلا يفترقان الا ساعة الموت
ورغم علمنا بأن الجسد فان ، وأن الروح خالدة
فإننا نعتز بأجسامنا ، ونخشى عليها من المرض لأن كل إحساس فيها
ينتقل الينا مادامت فينا الروح ..
والإنسان لا يبيع أصغر أصابعه بآلاف الدنانير ؟
أيضاً لأن الروح ، تلك النفخة الربانية المباركة* تقطن في هذا الجسد المادي ،
فالإنسان جسد وروح ،* قال تعالى :***

﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِين ثمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِين
ثمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾


فقد نفخ الله تعالى من روحه النورانية الباقية في هذا الجسد الطيني الزائل ،
فصار الجسد سجنا للروح* ،
فكان الصراع بين روح تسمو إلى سماء الفضائل
وجسد يهفو إلى أرض الرذائل ،
روح تشد الإنسان إلى المعالي ،
وجسد يشد الروح إلى شهواته .
الجسد هو الصدفة ، والروح هي اللؤلؤة الثمينة *.
الجسد هو القفص ،* والروح هي الطائر الغرِّيد .

ورمضان ، شهر الصيام فريضة من الله كتبها علينا
لتزكو بها النفوس وتطهر وترتقي ،
وذلك بقمع شهوات الجسد لإضعاف أسوار سجن الروح
لكي يغمرها النور ، وتتحرر من قيود الجسد وظلمة النفس

وهذه قصة طريفة وغريبة عن فقير بنى مسجدا لله

في منطقة " فاتح " في اسطنبول ،
واسم ذلك الجامع بالتركية :
( صانكي يدم ) ومعناها ( كأنني أكلت !!)
ولكن لم اختار هذا الاسم الغريب؟؟
لذلك قصة :
كان يعيش في منطقة " فاتح " شخص فقير وورع
اسمه " خير الدين كججي أفندي "
كان هذا الرجل عندما يمشي في السوق وتتوق نفسه لشراء فاكهة أو لحم أو حلوى ،
يقول في نفسه : " صانكي يدم " أي " كأنني أكلت " ،
ثم يضع ثمن تلك الفاكهة أو اللحم أو الحلوى في صندوق له، *
ومضت الأشهر والسنوات ، وهو يكف نفسه عن كل لذائذ الأكل ،
ويكتفي بما يقيم أوده فقط ، وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئا فشيئا ،
حتى استطاع بهذا المبلغ الموفور أن يبني مسجداصغيرا في محلته ،
ولما كان أهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الورع الفقير ،
وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد ،
فقد أطلقوا على الجامع اسم ( جامع صانكي يدم)
انظروا كيف تغلب هذا الفقير على شهوة الطعام ليصل إلى غاية نبيلة تنفعه في أخرته

ولذا فالمؤمن الذي يعتبر الحياة وسيلة للعبادة وزيادة الخير
يجد أن الموت راحة وتحرر من سجن الجسد
وإقبال على حياة خالدة يتمتع فيها بما زرع في دنياه من الخير

وهذه قصة الإمام الغزالي تبين لنا :

لما أحس أبا حامد الغزالي دنو أجله ، قال لبعض أصحابه : ائتني بثوب جديد
فقال له : ما تريد به ؟ قال أبوحا مد سألقى به الملك . فجاءوه بثوب، فطلع به إلى بيته
وأبطأ على أصحابه فلم يعُد . فذهب إليه أصحابه يستطلعون نبأه، فإذا هو ميت، وعند رأسه ورقة كتبت فيها هذه الأبيات:
قل لأخوانٍ رأوني ميتا
أتظنوني بأني ميتكم
أنا في الصّور وهذا جسدي
أنا عصفور وهذا قفصي
لا تزعجكم هجمة الموت فما
******
فرثوني وبكوا لي حزنا
ليس هذا الميت والله أنا
كان بيتي وقميصي زمنا
طرتُ عنه وبقي مرتهنا
فما هي إلا نقلةٌ من هاهنا

إن شهر رمضان فرصة لتطهير النفس ، والتوبة عن الذنب ، والزيادة في الطاعات
والخيرات ، وهي تعود لنا كل عام مرة ، فلنبدأ بداية جديدة ، ونصلح أعمالنا
فلا ندري هل سيعود علينا ونحن أحياء ، أم لا ؟
اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عنا !





أيام من نور

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق