الاثنين، 25 مايو 2015

وما ينطق عن الهوى

إن هذه الآية ، من الآيات التي تبيِّن مقام وقدر سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم العالي والغالي؛ لأن الله عزَّ وجلَّ يتحدث عن القرآن فيقول فيه:
(وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا )(105سورة الإسراء)

أين نزل القــرآن؟لقد نزل في رســول الله صلَّى الله عليه وسلم. إذن فهو يقول لنا: أن هذا الرجل كلُّه حقٌّ، إن كان ظاهرة خلق، إلا أن باطنه كنز الحق عزَّ وجلَّ، ولا يوجد به شيئاً من دواعي البشريِّة، إلا إذا كانت لحكمة إلهية.

مثلاً: لم يكن يحتاج للطعام والشراب مثلنا، وكان يقول في ذلك:
( إِنّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي)(1)

وفى رواية أخرى: ( أبِيتُ عِنْدَ رَبِّى فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي)

ولم يكن يطعمه ويسقيه طعاماً وشراباً كطعامنا وشرابنا، ولكنه يطعمه حكمة، وعلماً لدنياً، وفتحاً، وحقائقاً، ورقائقاً، ودقائقاً، تشبع منها الأرواح.
لماذا إذن كان يأكل ويشرب مع الناس؟ لكي يعلمنا كيف نأكل ونشرب؟.
كذلك؛ لماذا تزوج ؟

لكي يعلمنا آداب معاشرة النساء، آداب معاملة الأولاد.وقد جعل الله له كل هذه الأحوال لكي نتهذب ونتعلم من حضرته وذلك سر قوله تعالى:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21سورة الأحزاب)

لكنه كان غنيَّا عن هذه الأحوال البشرية، ولذلك كان يصوم صيام الوصال، وصيام الوصال يعني: أنه كان يصوم أكثر من يوم بدون طعام ولا شراب، أي: لا يفطـر، ولا يتسحر، فعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما قال:

( كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لاَ يُفْطِرُ )(2)
فقد كان يصوم بالأسبوع، كيف؟لأن الله أغناه، والإنسان الذي أغناه الله لا يحوجه حتى إلى طعام ولا شراب ليقيم صلبه، وإنما يقيم صلبه بالله، ويتقوى بالله، ويتقوت بعلوم الله، وحاله كله بالله عزَّ وجلَّ.

إذن هو صلَّى الله عليه وسلَّم كما وضح هذه الحقيقة الإمام أبي العزائم رَضِيَ الله عنه فقال:
أبرزته يد العناية كوناً وهو نور في صورة آدمية

كان نوراً صرفاً، ولذلك كان إذا مشى لا يرى له ظل، لأنه نور، وما ليس له ظل هي اللمبة: وهذه آية، تماثلها كذلك الآية الأخرى:
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (1سورة القدر)

( فِي ) هنا: في اللغة العربية يسمُّونها الظرفية، فما هو الظرف الذي نزل فيه القرآن قلب النبي العدنان، وهو ليلة القدر، ومن يرى حضرة النبي، فقد رأى أعظم ليالي القدر، فهل هناك ليلة قدر أعظم منه صلَّى الله عليه وسلم؟

هيكل المختار ليل جامع كل أنواع الملائك والعباد

لأن كل من رأى ليلة القدر، أي رأى قدراً من النور، فما بالكم بمن سيرى مصدر النور؟ فماذا يرى؟ إن أعظم ليلة قدر للإنسان أن يتمتع بوجه النبي العدنان صلَّى الله عليه وسلَّم لأن من رأى النبي فقد أصبح له قدر لأنه قال:

( مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَانَّمَا رَآنِي فِي اليَقَظَةِ)(3)
وفى رواية أخرى: ( فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ (مــــتى؟، إذا كان ضعيفاً؛ فعلى الأقل سيراه وهو خارج من الدنيا ليستقبله صلَّى الله عليه وسلم. وقال بعد ذلك، عن جابر رَضِيَ الله عنه أن سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قال:
( لاَ تَـمَسُّ النَّارُ مُسْلِـماً رَآنِـي أَوْ رَأى مَنْ رَآنِـي )(4)

إذن فقد أصبح له قدر، لأنه نجا من جهنم برؤيته لرسول الله، إذن أعظم قدر للإنسان في ليلة القدر، أن يرى الحبيب الأعظم صاحب القدر صلَّى الله عليه وسلم. ولذلك فإن سيدنا عبدا لله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، روى فقال:

( كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم أُرِيدُ حِفْظَهُ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: تَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم، وَرَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا. فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلم، فَأَوْمَأَ بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ، وَقَالَ: اكْتُبْ فَو َالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلا حَقٌّ )(5)

وحتى عندما يمزح،كان يقول :
( إِنِّي لأَمْزَحُ، وَلا أَقُولُ إِلا حَقًّا )(6)

فمزاحه حقٌّ، وغضبه حقٌّ، ورضاه حقٌّ، وكل أحواله حقٌّ، لأنه في باطنه كنز الحقِّ عزَّ وجلَّ:
( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) (105 سورة الإسراء)

ولذلك عندما كان يتكلم
( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (3-4سورة النجم)

فالحقُّ كلامه كله حقٌّ، حركاته، سكناته، عباراته، أماراته، إشاراته، تلويحاته، توجيهاته، كلها حقٌّ من الحقِّ عزَّ وجلَّ.

ولذلك فقد قال الحقُّ عزَّ وجلَّ :
? وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ? (7 سورة الحشر)
لأنه يتصرف بالحق

وهذا يا إخواني قدر رسول الله العظيم صلَّى الله عليه وسلم. فيلزم للمسلم أن يعرف ماله عند مولاه، لكي يحبه بقلبه، ويزيد الحب، ويعلو الشوق، ويرفع الحجب، ويمزق الأعراض، ويذهب الأمراض والأغراض، حتى يرى النبي العظيم صلَّى الله عليه وسلَّم في عالم المنام، ويلذ له من حضرته سماع الخطاب والكلام.

فما الذي يمزق كل الحجب؟، ويجعل الإنسان يراه؟هو الحــبُّ.لكن الذي لا يحبُّ، فستظلُّ أكوام الهموم ورواسي الغموم جاثمة على صـدره، وعلى قلبه، ولن يرفعها إلا الحبُّ.

أما العبادات فليس لها شأن بهذه الفتوحات، لأن العبادات لطريق الجنَّات، لكن الجنَّات التي بها الفتوح والمشاهدات؛ هي الحبُّ.
الحب يمحق من قلب المحب سوى
محبوبه فـيراه لا بأمثـال

ما الذي يحرق الأشياء الحسِّيَّة في الدنيا؟ النار.

وما الذي يحرق الأشياء المعنويَّة التي في القلب؟
نار المحبَّة للأحبِّة؛ ... محمدٍ وحزبه.
ممن آتِي بالكبريت؟

من رجل من العارفين، فهم معهم الكبريت الذي يقدح زناد قلوب المحبين، ويقول في ذلك إمام المحبين في عصرنا الإمام أبو العزائم رَضِيَ الله عنه:
نار المحبة كم أذابت مهجتي وأخُ المحبة لا يميل لغيرها

والمحبة هنا ليست للدنيا والفلوس وغيرها، ولكنها المحبة لله ورسوله
من أين نأتي بنار المحبِّة؟، ونشتريها؟
قال العارف الفرد:
مني يباع الحب لا يشريه إلا فؤاد قد صفا ذاتيه

(1 )عن أبى هريرة رضي الله عنه فيما رواه الإمام أحمد في مسنده وفى فتح الباري، قال: واصل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فبلغ ذلك الناس فواصلوا، فبلغ ذلك النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فنهاهم، فقال ( الحديث ).
(2)سنن النسائي عن ابن عباس، ومسند الإمام أحمد عن عائشة، وتمام الحديث: ( ... وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ مَا يُرِيدُ أَنْ يَصُومَ، وَمَا صَامَ شَهْراً مُتَتَابِعاً غَيْرَ رَمَضَانَ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ).
3)رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات، وتمامه: ( مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي الحَقَّ – وفى رواية: ( حقاً ) - فَإنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي ).
4))مشكاة المصابيح، الفتح الكبير للسيوطي، عن جابر رضي الله عنه .
5))سنن أبى داود و الدارمى ومسند ابن حنبل عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما .
)6)عن عبد الله بن عمر في المعجم الصغير للطبراني وعن عائشة في أخلاق النبي لأبى الشيخ الأصبهانى .

إشراقات الإسراء- ج2

منقول من كتاب {إشراقات الإسراء الجزء الثاني}
اضغط هنا لتحميل الكتاب مجاناً

https://www.youtube.com/watch?v=Mx592szxGUY



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق